علي الهجويري
373
كشف المحجوب
باب آدابهم في الصحبة حيث علمت : أن أهم الأشياء للطالب هي الصحبة فأداء شروطها لازمة عليك فالوحدة هلاك للمريد لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « الشيطان مع الواحد » وقال تعالي : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ « 1 » فليس هناك مفسدة للمريد من الوحدة . وقرأت في بعض كتب السلف أن مريدا للجنيد تصور أنه بلغ درجة الكمال وأن الأفضل له أن يختلي بنفسه فاعتزل إخوانه فاعتاد أن يأتيه جمل في المساء وأخبر أنه يأخذه إلي الجنة فإذا ركبه نقله إلي مكان جميل ذي سكان لطاف وفاكهة لذيذة وأنهار جارية فيمكث هناك حتى الفجر فيغلب عليه النعاس فيستيقظ وهو علي باب صومعته هذا . وقد ملأ نفسه إعجابا بهذه الحوادث ولم يمتنع من التخلي عنها فلما سمع الجنيد بذلك هرول إلي صومعة الطالب وأصغي إلي ما يحدث له ثم قال له : إذا أنت أتيت إلي ذلك المكان الليلة تذكر أن تقول « لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » وفي تلك الليلة نقل كالعادة ومع أن لم يصدق في قلبه الجنيد فإنه كرر هذه الكلمات ثلاثا بقصد التجربة فصرخ من كان معه وتركوه فوجد نفسه جالسا علي مزبلة وسط عظام نخرة فعلم خطأه ثم تاب ورجع إلي الصحبة . وأصول الصوفية في الصحبة هي أن يعاملوا كل واحد قدر درجته فيعاملون كبار السن مع الاحترام كالوالدين ومن كانوا في سنهم يساوونهم في المعاملة كالأخوة ومن كانوا أصغر منهم يعطفون عليهم كالأبناء ويتركون الغضب والحقد والحسد ولا يضنون بالنصيحة الخالصة علي أي إنسان : ومن آداب الصحبة أن لا تتكلم بشر عمن غاب عنك أو تسئ أو تنكر علي أي إنسان لكلمة أو عمل لأن الصحبة التي يكون أولها الله تعالى لا تنقطع بكلمة إنسان ولا بعمله . قال المؤلف : سألت مولانا الشيخ أبا القاسم الجرجاني عن شروط الصحبة فقال : إنها مجموعة في أن « تبحث فيها عن حظك لأن كل شرور
--> ( 1 ) سورة المجادلة آية 7 .